أحمد بن الحسين البيهقي

53

كتاب القضاء والقدر

الظلمة . وكذلك القدرية ، يضيفون الخير إلى اللّه ، والشر إلى غيره ، واللّه - سبحانه وتعالى - خالق الخير والشر ، لا يكون شيء منهما إلّا بمشيئته . وعلى الضد والنقيض لهذه المقالة ، مقالة القدرية - كانت قد ظهرت مقالة أخرى مقابلة لها في التطرف ، وهي مقالة « الجبرية » الذين نفوا فعل العبد وقدرته واختياره ، وزعمت أن حركته الاختيارية كحركة الأشجار عند هبوب الرياح وكحركات الأمواج ، وأنّه على الطاعة والمعصية مجبور ، وأنه غير ميسّر لما خلق له ، بل هو عليه مقسور مجبور « 1 » . وكانت هذه المقالة قد أظهرها الجعد بن درهم الخرساني « 2 » مع عدد من المقالات الأخرى ، كقوله بخلق القرآن ، وتعطيله لأسماء اللّه وصفاته ، بل كان أوّل من حفظ عنه ذلك « 3 » . ويذكر علماء السلف أن الجعد أخذ بدعته عن أبان بن سمعان ، وأن أبان بن سمعان أخذها عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم وزوج ابنته ، وأخذها طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأنه أخذها عن يهودي باليمن لا يعرف « 4 » . وكان الجعد آنذاك بدمشق ، ثم إنّه هرب منها حين طلبته خلفاء بني أمية لبعض مقالاته وسكن الكوفة فلقيه هناك « الجهم بن صفوان بن محرز الراسبي مولاهم السمرقندي ، فتقلد منه مقالاته ، ثم إن الأمير خالد بن عبد اللّه القسري ( ت 126 ه ) تمكن من الجعد فقتله ذبحا بواسط صباح يوم عيد الأضحى من عام أربع وعشرين ومائة » . فعن حبيب بن أبي حبيب قال : خطبنا خالد بن عبد اللّه القسري بواسط يوم الأضحى فقال : « أيّها الناس ! ارجعوا فضحوا تقبل اللّه منّا

--> ( 1 ) « شفاء العليل » ( ص 19 ) . ( 2 ) انظر ترجمته في « ميزان الاعتدال » ( 1 / 399 ) . ( 3 ) « الفتوى الحموية » ( ص 13 ) . ( 4 ) « مجموع الفتاوى » ( 5 / 20 ) ، و « البداية والنهاية » ( 9 / 405 ) .